أنا على مذهب كارل غوستاف يونغ ، اعتقدُ بانعكاس الواقع البايولوجي على النفس ، وبالتالي على الشعر : هذا الواقع البايولوجي هو مدار الازدواج الجنسي / النفسي ، وهو مدار يتجلى شعريا عند هذا الشاعر أو تلك الشاعرة : على فكرة .. أجد أن الشعر ينسف هذا المائز بين الجنسين ، ليكون الانسان هو المقدمة ، لكنني مادمتُ بصدد شهادة شعرية عن مخرّب حقيقي للغة ولتواصليتها ، اسمه زهران القاسمي ، سأكتفي بالدوران حول مدار يونغ الذي يعطيني مفتاحا هاما لفهم المنطقة التي يعمل فيها هذا الشاعر في مجموعته الشعرية الجميلة " الهيولى " .
يعتقد يونغ ، وأنا على خطاه ، أن كل رجل يحمل ، جينيا ، الصورة الابدية للمرأة ، أي لا صورة هذه أو تلك ، وإنما صورة الانوثة الخالدة ، وهي صورة لا واعية ، فهي شفرة لكل تجارب الاسلاف مع الانثى : إنها خزين كل الانطباعات التي خلفتها المرأة ، وإنها لذلك – وهذا اجتهاد مني – قابعة هناك في العالم الباطني الذي يغترف منه الشاعر صوره ، حيث تعمل المخيلة والخيال ، مُسقطا كل تلك الانطباعات الداخلية على شخص المرأة التي يُحب في الخارج .
زهران في " الهيولى " لا يخاطب امراة محددة ، وانما امرأة مطلقة ، كما يبدو، فهو يخدعنا بمكر رائع ، لأن تلك الصورة اللاوعية للمرأة الأولى هي الأشد حضورا عنده ، وهي الأكثر قربا الى النفس ، من تلك التي في الخارج ، والتي يتعامل معها يوميا بأجنحة الواقع والضرورة ، ولذلك فهو يُسقط عليها كل احلامه .
إذن " الهيولى " نداء ، أو مجموعة همهمات داخلية ،غاية في الوجازة البلورية ، كحلم خاطف يبهرك دون أن تلحق الالمام بتفاصيله ، لكنه يترك أثره فيك لأنه أعاد تنشيط مدار ذلك الازدواج الجنسي / النفسي في داخلك ، وسواءا كان القاريء امرأة أو رجل ، فما يتلقفه من زهران سيسقطه على شخص محبوبه ، سيما إذا وضعنا ما يعتقده يونغ حيال المرأة محل اعتبار ، فهو يرى أن الشكل الاولى للرجل في باطن المرأة هو مزيج من الاراء التلقائية السابقة للتامل ، وهو يمارس تأثيره على الحياة العاطفية للمراة ، لكن هل نحن في دائرة مغلقة ، كما هو لازم كلام يونغ ؟
لا يبدو الامر مغلقا ، على أية حال ، ومجموعة الهيولى تقول ذلك بلا برهان ، تماما كما يفعل يونغ ، فكلاهما – يونغ والقاسمي – يسلكان طريقا في غاية الغرابة لتقديم الدليل الى الشمعة في ليل مظلم ، وهنا تأتي الدلالة البالغة للعنوان : " الهيولى " فهي فلسفيا – أي الهيولى – مرحلة ما بين العدم و المادة ، وما يقدمه زهران هو رؤيا بين التصيّر والتشكل ، بين العقل والخيال ، أو بين الداخل والخارج ، كأن قدر الشاعر هو أن يتقدم الجميع ، بلا برهان ، لصنع الجسور بين جزرالانسان القاصية العزلة .
يقول زهران في واحدة من بلورات هذه القصيدة :
" أنتِ
لستِ شقيقةَ الروح
لستِ الحبيبة
... أنتِ الهيولَى "
ولأنها هيولى تأخذ اشكالا ومضامين متعددة ، فهي الغيمة ، الأم ، الشجرة ، لكنه يقول في مكان آخر ، وهو مما يعطي للهيولى ابعادا كونية ، ومعرفية شاهقة :
" الهيولَى
وجه يحدق في ذاته
وجه يبحث في غربته عنه
لا مرآة له
ولا ماء يُجليه
وكلما تأكد من وجوده
تكاثر العدم "
ويقول :
" في المقاهي
في الملاجئ
في الثكنات والمخيمات
في الشوارع والبيوت
تقف الهيولَى في ردهة الاستقبال
لتأخذ الأرواح التي
زرعتها في أجسادنا
ثم تغادر باكية .."
لكن لأن حيز هذه الشهادة لا يسمح بالمزيد من الشذرات ، اكتفي بأن أختمها بكلمة تجمع بين يونغ والهيولى ، فأقول : عندما يكون هناك ، في الباطن ، النمط الاولى للمراة ، تكون الهيولى هي مجموعة حبيبات ، وهذه المجموعة هي هيولات مقترحة في فضاء المخيلة . وعندما يكون هناك اللاوعي تكون كل الذكريات والتجارب في حالة من الهيولى ، وهكذا .. عندما تعجز اللغة العامة عن أن تقول شيئا عن ذلك العالم ، يبدأ الشعر ، وعندئذ تكون الهيولى مقترحا شعريا ، يربط بين داخلنا وخارجنا بلغة اخرى ، هي أقرب الى لغة المهرطقين الاوائل ، الذين يقف زهران في مقدمتهم ، وبإمتياز ..