إشكالية المصطلح و الحضور الغائب
كوثر القاضي */ السعودية
أكاديمية و ناقدة
إشكالية المصطلح ( النثيرة عوضاً عن قصيدة النثر ) :
ينبغي إن لم يكن لزاماً بالنسبة لما سمي خطأًً بقصيدة النثر أن يصطلح عليه باسمه الطبيعي ألا و هو " النثيرة " (1)؛ لأن المصطلح المعتمد حالياً مصطلح متناقض أصلاً ؛ كونه يجمع بين نقيضين لا يمكن الجمع بينهما : الشعرو النثر ؛ فالشعر هو نقيض النثر مهما تقاربا و تجاوبا ؛ فالعلاقة بينهما هي علاقة الجوار ، لكنه الجوار القائم على الحدود .
و لأجل ذلك فإنه من اللازم على الباحثين في آداب اللغة العربية اعتماد هذا المصطلح و نبذ المصطلح المتعارف عليه ؛ كونه جاءنا من الثقافة الغربية ؛ و لأن المصطلح العربي المناسب موجود ، فلم الأخذ عن الآخر بغير تدبر أو روية ؟
و تتميز النثيرة بواحدة أو أكثر من خصائص الشعر الغنائي ؛ غير أنها تعرض على شكل نثر ـ و إن كان بعض كتّابها في الآونة الأخيرة أصبحوا يكتبونها بشكل عمودي ـ و يرى البعض أنها تتميز عما يسمونه " الشعر النثري " بقصرها و ما فيها من تركيز ، و تختلف عن " الشعر الحر " بأنها لا تهتم بنظام المتواليات البيتية ، و عن " فقرة النثر " بأنها ذات إيقاع و مؤثرات صوتية واضحة مما هو موجود في هذه الأخيرة .
ظهورها و انتشارها :
ظهرت " النثيرة" منذ بداية القرن العشرين ، و مع ظهور الرومانتيكية العربية بتسميات عديدة منها " قصيدة النثر " أو " الشعر المنثور " ، و انتشرت في النصف الأول من القرن في المشرق و المغرب على يد أمين الريحاني ( 1876 ـ 1940 ) ، و جبران خليل جبران ( 1883 ـ 1931 ) . و كان هذان المريدان الأولان مقيمين بالولايات المتحدة الأمريكية ؛ و كان ذلك بلا شك من العوامل الرئيسة التي ساعدت على ظهور هذا التجريب الكتابي كضرورة إبداعية و حياتية في آن .
و في هذه الحقبة الزمنية ، كان يوجد إلى جانبها أفعال شعرية أخرى ؛ كان هدفها خرق القواعد الصارمة للبيت الشعري العربي القديم مثل " الشعر الحر " الذي اعتمد التنويع في الوزن و القافية و تغيير مواقع القافية ؛ لتصبح كل قصيدة مستقلة بإمضائها الشخصي ، و منها نصوص " المواكب " لجبران و " الصباح الجديد " لأبي القاسم الشابي .
ثم كان " الشعر المرسل " الذي تلتزم القصيدة فيه بالبحر الواحد مع التحرر من القافية ، و قد اشتهر به كل من : عبدالرحمن شكري ( 1886 ـ 1958 ) و أحمد زكي أبو شادي ( 1892 ـ 1955 ) في ديوان " الشفق الباكي " .
و قضية ما يعرف ب " قصيدة النثر " لم تطف على السطح إلا مع الظهور الثاني للشعر الحر في الخمسينيات الميلادية ، و خاصة مع مجلة " شعر " ( 1957 ) التي أصدرها الشاعر اللبناني يوسف الخال ( 1917 ـ 1987 ) بالتعاون مع الشاعر السوري علي أحمد سعيد المعروف بأدونيس ( 1930 ) و التنظير الشعري للقصيدة الحديثة ، و للرؤيا و تأسيس نظرية للشعرالعربي الحديث ، حيث برزت قضية رئيسة أرادت إعادة النظر في المسلمات الشعرية العربية المعروفة كالوزن و القافية ؛ ليصير الإبداع تجاوزاً للموجود ، و تحطيماً للقيم الشعرية الثابتة في الوجدان العربي ؛ بهدف الإمساك بواقع إبداعي جديد تحكمه أو تحرره رؤيته الجديدة لطبيعة الشعر .
النثيرة اليوم :
لقد توهم كثير من النقاد و المتابعين أن " النثيرة " اليوم هي السقف الإبداعي الأخير الذي وصلت إليه القصيدة العربية في جميع استقصاءاتها الفنية ، و هذا أمر غير صحيح ، كما توهم البعض أن " النثيرة " هي امتداد لقصيدة التفعيلة ، التي هي امتداد للقصيدة العمودية ، و هذا كذلك أمر غير صحيح .
إن هذه " النثيرة " تمشي على الحافة ، على حد السيف الجمالي الفاصل بين الشعر الحقيقي ، و بين النثر العادي ، و ربما تسقط إلى الهاوية ؛ لأن للقصيدة الشعرية استقصاءاتها الخاصة بها ، التي تأخذ من وحدة البيت الموزون المقفى أساساً لها ، و إن خرج فإنما يتجلى ذلك في نظام المقطوعات أو القوافي المتغيرة فحسب .
لقد بلغت القصيدة العمودية ذروة التجديد فيما قدمه شعراء الرومانتيكية العربية مع جبران خليل جبران ( 1883 ـ 1931 ) و خليل مطران ( 1871 ـ 1949 ) و أبي القاسم الشابي ( 1909 ـ 1934 ) و بشارة الخوري ( 1890 ـ 1964 ) و علي محمود طه ( 1902 ـ 1949 ) و إبراهيم ناجي ( 1898 ـ 1953 ) ثم القصائد العمودية التي قدمها كل من نزار قباني ( 1923 ـ 1998 ) و عبدالله البردوني ( 1929 ) .
أما قصيدة التفعيلة فلم تكن بداياتها مختلفة عما قدمه هؤلاء الشعراء ، لكنها بمرور الزمن اكتسبت أرضيتها الراسخة و مشروعيتها ، و بلغت ذروة الفنية في السبعينيات و الثمانينيات الميلادية تشكيلياً و تجريبياً كذلك ، و لكل شاعر من شعرائها نسيجه الخاص و اتجاهه الشعري المميز ، حتى تميز شعراء مجيدون بتباين اتجاهاتهم و خصائصهم الفنية ، بحيث أصبح كل واحد منهم مدرسة بحد ذاته . و هؤلاء هم : خليل حاوي ( 1919 ـ 1982 ) و بدر شاكر السياب ( 1926 ـ 1964 ) و عبدالوهاب البياتي ( 1926 ـ 1999 ) و صلاح عبدالصبور ( 1931 ـ 1981 ) و أمل دنقل ( 1940 ـ 1983 ) و نزار قباني ( 1923 ـ 1998 ) و سعدي يوسف ( 1934 ) و محمد عفيفي مطر ( 1935 ) و محمود درويش ( 1942 ) .
إن " النثيرة " ليست امتداداً لتجربة شعرية سابقة ؛ ف " النثيرة " التي نقرؤها اليوم لا تستند إلى العروض العربي ، و لا تستخدم البلاغة الشعرية العربية المعهودة ؛ و من ثم فهي ليست امتداداً لأي شكل شعري سابق .
إن الأسماء التي غامرت بالنثيرة في المشهد الثقافي العربي متواضعة ؛ بل إنه لا توجد تجربة شعرية مقنعة للقارئ اليوم بتجديدها على مستوى الموضوعات أو على مستوى الألفاظ و التراكيب ؛ فالقصيدة الشعرية تستطيع أن تركز على الهموم اليومية ، و الشخصيات المهمشة في المجتمع ، و تكرس الحدث العادي المألوف ، دون أن تضحي بالأوزان العروضية .
لقد كرس معظم كتاب النثيرة اليوم مفهوم اللانظام و الفوضى بدعوى التميز و التجديد ؛ لتصبح القصيدة ـ إن جاز لنا تسميتها قصيدة ـ عند أكثرهم عبارة عن رصف كلمات لا رابط بينها و لا علاقة إسنادية بين أجزائها إلا ما كان بمخيلتهم ، و أطلقوا عليها قصيدة ؛ و إنما هي كلام عامي مُنَثْوَر لا علاقة لأوله بآخره ، فأماتوا الموسيقى و اللغة معاً .
إذا أردنا استبدال مصطلح " النثيرة " اليوم بمصطلح آخر ، فماذا يمكن أن نسميها : نثراً مشعوراً ، شعراً منثوراً ؟ و إذا اتفقنا على مصطلح من هذين مع ما بينهما من تعارض طبيعي ـ كما سبقت الإشارة ـ فبماذا نشرح هذا النثر ؟ هل نشرحه بالشعر ؟ و هل يستطيع ناقد اليوم أن يكون ناقداً و شاعراً و ملماً بالتاريخ و التراث جميعه ، حتى يستطيع أن يشرح هذا اللون الذي أصبح قدراً لا مفر منه ؟
باختصار إن " النثيرة " قول نثري أنتجته جهود فردية ، كل منها يسير باتجاه منفصل عن الآخر ، كل منها أراد التجديد بالتجريب ، لكنه لم يكن تجديداً على قواعد و قوانين معروفة و معترف بها ، فأصبح في أسوأ حالاته تخريباً للذائقة و كسراً لقواعد اللغة ، و تطفلاً بلا دعوة على مائدة الشعر العربي الأصيل .
* أكاديمية سعودية
( 1 ) أول من اخترع تسمية " النثيرة " هو الأستاذ الدكتور محمد ياسر شرف في مقال نشر بصحيفة الرياض السعودية بعنوان " النثيرة جنس أدبي جديد " عام 1979 م ، حيث كان يشرف على الملحق الأدبي " أدب و أدباء " .
نشرت هذه القراءة بدورية " عبقر " مجلة فصلية تعنى بالشعر و قضاياه ، صادرة عن النادي الأدبي الثقافي بجدة ( محرم 1429 هـ / يناير 2008 )