مظاليم ربنا
نرجس الصغيرة
كانت نرجس بريئة ، بضة الجسد ، رائعة الجمال ، دقيقة التقاطيع ، لها بحة خفيفة تلون الصوت برقة لا حدود لها.
نمشها الخفيف على الوجنتين يخطف القلب خطفا. تمشي محتضنة حقيبة كتبها الجلدية الغامقة على صدرها الصغير باستماتة من تمنع العيون البصاصة . تدرس في الصف الثالث الثانوي . أحبت عثمان ابن الجيران . والدها الذي مات من أعوام لم يكن موجودا ليمنع نزقها . سد جدها البلكونة بلوح من الأبلاكاش البلجيجي .
بعد خروجه مباشرة خلعت المسامير بكماشة صدئة . تركت لونا بنيا قاتما على كفيها . تركتها الأم تفعل ذلك ، وما لبثت أن اندفعت بجسدها تحجب عنها رؤية النافذة المواجهة للمنزل ، مواربة باب البلكونة لم يمنع طيف شبح لا يكاد يرى.
بعد شد وإرخاء ، تزوجته ضد رغبة الجميع . هو الميكانيكي الذي يعرف كيف يكسب لقمة عيشه وكيف يخطف قلوب البنات.
عانت صعوبات جمة فترة حملها . أنات موجعة أطلقتها وهي تلد . رفض زوجها الشاب أن تنقل إلى المستشفى وأسرع باستدعاء القابلة . كانت في لحظات الأفول ، تقاوم الأسود البغيض وهو يسحب روحها رويدا رويدا. سألها عثمان عن رغبتها في تسمية المولود. لحظة خروج الرأس الذي أطل مدمى . قالت بصوت خافت : سموا الصغيرة باسمي.
أسلمت الروح في الهزيع الأخير من ليل الخميس ، وكانت نرجس الصغيرة ترفس الهواء بقدميها ، وتبكي قبل الجميع . بصوت فيه بحة الأم التي غربت شمسها قبل الآوان .
28/6/2003
نوم
تقلبت في نومهاا . اندلق النهدان من طاقة الجلباب الباتستا ، وهي مستغرقة في النوم.
خبط الشاب " قسط " الحليب بكوبه المعدني خبطات أليفة. صعد كعادته الدرج الخشبي في ملل تشوبه احباطات أيام مضت.
وجد الباب مواربا . كح كحة خفيفة ، وأمال رأسه على الجدار المواجه لباب الشقة. لم يخبره أحد أن الأم مضت لشراء طلبات البيت .
بعد قيامه متأخرا نصف الساعة انطلق في جولته اليومية . للمواقيت أحكام وللظروف عثرات .
كادت تأخذه سنة من النوم . هز رأسه ليطرد الكسل . كانت الشمس في رحلتها الأولى تسحب خيوطها بعنفوان . مد أصابعه ونقر نقرة ، نقرتين ، ثلاثا.
لم يخرج إليه أحد . خشي أن يتأخر عن موعد توزيع الحليب . بتردد شديد دفع الباب الخشبي الثقيل فزيــّق ، ورآها.
كانت تتقلب في فراشها ، بثوب الباتستا الأحمر ، في ضوء غاف بالحجرة المواجهة . تنحنح ثم استولى عليه ذهول خالص .
كان الجمال الذي سمع عنه يتبدى أمامه مجسدا فتنة و اختطافا . خلع مداسه على العتبة وحمل القسط بيد والكوب بيده الأخرى وتقدم نحو السرير.
صار على بعد ذراعين منها ، همس بصوت يرتعش : الحليب.
تأمل شعرها الأسود الكثيف يختبئ في أنسجة الملاءة ثم يظهر في ومضات ملهمة. تموجات سود تخالط النهدين الباذخين في مشهد كوني بديع.
لم تستجب لندائه ، فأدرك أنه في أزمة . المرتبة القطنية تحتوي الجسد والوسادة الصغيرة المشغولة بوردة قرنفل تؤكد أنه معها . دون تخطيط مسبق مسح الزغب الخفيف فوق الشفتين ومد يده باضطراب بالغ ليدخل النهدين لمكانهما عبر طوق الثوب الواسع.
تنهدت وهي تعدل جسدها ، وتلملمه فوق اللحاف المطوي بعناية تحت قدميها.
بصوت أكثر خفوتا : الحليب.
وضع القسط على السجادة . فكر أن يغطيها وينسحب بهدوء , في تلك الثانية من الوقت فتحت عينيها . شهقت في مسافة تقع بين الحلم والرغبة , أو بين الصحو والرغبة.
لم يشعر بنفسه إلا وهو بين أحضانها وهي تدفعه ثم تعود لتضمه . تلاشى خوفه وهو يقتحم خلوتها : إغلق الباب .
بينما هو في طريقه لإحكام الترباس اصطدمت قدمه بالقسط فانساب الحليب على السجادة الكيشاني النبيتي اللون ثم مالبثت خيوطها الكثيفة أن تشربته على مهل.
29/6/2003
خصلة شعر
نزلت صفاء من عربة الحنطور ، ويممت وجهها شطر شجرة الجميز الضخمة ، في أول طريق المنية . التفتت حولها فلم تجد إلا عجوزا يجلس على طرف الترعة ، مدلدلا قدميه في مياهها الراكدة . يبدو من منظره أنه على باب الله ، لا له في العير ولا النفير.
تقدمت نحو الشجرة . لملمت في طريقها بعض الثمار المختونة التي تساقطت في الليل ، و في بداية الفجر. أخرجت من عبها كيسا من القماش . دست أصابعها ، وقبضت على اليد الخشبية للجاكوش.
دفعت بحذر حفنة صغيرة من المسامير الصلب قي فمها . راحت تلفظ مسمارا مبلولا بريقها الدافئ . دقت المسمار الأول ثم دقت اثنين آخرين على هيئة مثلث.
مر فلاح يركب حمارا ، رمى السلام فردت بأفضل ما تعرفه ثم سلتت الطرحة التي كانت تلم شعرها الذي انسدل ناعما ، متألقا ، كمنجم من الفحم الذي لا يطول سواده أي ابيضاض.
عقدت خصلة ، علقتها في رأس المسمار العلوي . جذبت شعرها مرة واحدة . أحست بالألم يسري في جسدها كله . تأوهت قبل أن تعاود فعلتها في المسمارين الآخرين .
ـ لاحول ولاقوة إلا بالله.
قالتها عجوز ، وهي تدور حول الجذع الهائل لشجرة الجميز ، ساحبة بيدها امرأة شابة بلا تزويق ، تغوص في ثوب ستان أزرق بدوائر سود متداخلة باحثة عن مكان خال من المسامير.
ـ بالشفاء إن شاء الله . ربنا يرزقك بالخلف الحلال.
جذبت خصلة أخرى فسرى تيار الألم في عروق الوجه الذي تساقطت عليه قطرات دم لا تكاد ترى .
لم يكن مسموحا لها بالكلام ، لذلك حين لامست العجوز كتفيها كتحية صامتة هزت رأسها ردا موجزا وبليغا.
قالت التي تملأ الغضون وجهها : ربنا الوهاب.
كانت الخصلة الثالثة قد تركت حين جذبتها خيطا من الدم تسلل نحو العنق العاجي الجميل.
لم تمسحه ، تركته ينسرب نحو نهديها ، عادت إلى عربة الحنطور التي كانت تنظرها على ناصية شارع المظلوم . صعدت السلم بدرابزين حديدي مزخرف بالغزلان . سرعان ما داست فرو خروف بني منبسط على العتبة المؤدية للبيت .
كان زوجها قد اغتسل ، وجلس في انتظار عودتها.
قبل أن تخلع ثوبها ، وتضع الجاكوش في مكانه بالصندرة أحست بزوجها يلتصق بها ، وتأكدت أن فوران الجسد سينصفها هذه المرة لتأتي بالولد غصبا عن عين حماتها العقرب.
30/6/2003